إخوان الصفاء

12

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

المريضة ، بتذكيرها أمر مبدئها ، وما قد نسيته من أمر معادها بضروب الأمثال بالوعد والترغيب في جزيل الثواب والمدح والثناء لمن تاب وأناب لعلهم يذكرون . ثم اعلم إنه ذكر في كتب الطب أصل تركيب الجسد ، ومزاج الأخلاق وأسباب الأمراض وكيفية المداواة من مفردات الأدوية ومركّباتها التي تختلف شرباتها بحسب اختلاف الأمزجة والأهوية والعادات . فهكذا ذكر وتبيّن في كتب الأنبياء المنزلة ، عليهم السلام ، الذين هم أطبّاء النفوس ، وبيان ماهيّة النفس ، وبدء كون العالم ، وسبب كون عصيان النفوس التي هي مرضها ومسقطها عن مراتبها الذي هو موتها الأوّل ، وسبب صحتها ، وسبب تغيّرها وفسادها وأنواع أمراضها . ووصف كيفية مداواة النفوس المريضة بالندم والتوبة ، وحسن الأخلاق والأفعال الحسنة والاجتناب عما نهى اللّه تعالى ورسوله ، وبالتذكار لأمر المعاد والأفعال الحسنة ، والتوكّل على اللّه في جميع الأمور كما قال تعالى : « يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما » وقال : « وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ » وقال : « فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ » « لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ » « لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ » . ثم اعلم أن طائفة من العقلاء قد مالوا وأعرضوا عن الحق والديانات النبوية إلى الآراء الحكمية ، وذلك لقصور فهمهم عن صور تلك الأمور التي أشارت إليها الأنبياء ، عليهم السلام ، في إشاراتهم ورموزهم ، فعجزوا عن إدراك حقائق تلك المعاني التي ألقتها إليهم الملائكة من الوحي والإلهام والتأييد والإشارات ؛ وإنما قبلت الأنبياء الوحي من الملائكة بصفاء جوهر نفوسها ، ومجانسة أرواحها